عبد الملك الجويني

165

نهاية المطلب في دراية المذهب

ومسلك المحققين أن الإكراه هو الذي يسلب الطاقة والإطاقة ، ولا يُبقي في غالب الأمر للمرء خِيَرَة التقديم والتأخير ، حتى يصير كأنه لا اختيار له ، والمخوّف بالقتل والقطع كذلك ، [ فلا يقع ] ( 1 ) المطلوب منه لنظره وتخيره ( 2 ) . فأما الذي يؤثر الطلاق على الحبس ، فإنما هو مفضّلٌ حالةً على حالة ، ومرتاد عيشة على عيشةٍ ، واختياره صحيح ، فلا يتحقق الإكراه والحالة هذه . والذي فرضه الأولون من الموازنات ، والنظر في الأقدار مسلكٌ من مسلك الرأي والاستصواب ، فقد يُرهق الزمانُ المرءَ إلى أمثاله ، فيستصوب له أن يطلّق أو يبيع ، وليس هذا من الإكراه الحقيقيّ في شيء ، فينحصر الإكراه على هذا المسلك فيما يكاد يُعدِم الاختيار ، حتى لا يبقى إلا ما يؤثره من يفر من الأسد في وطء الأرض المشوكة ، فقد يتخطاها الفارّ وهو لا يحس بوخز الشوك . وبين هذه الطريقة والطريقة الأولى تباين عظيم . ثم لا نفرّق فيه بين أن يكون الإكراه على إتلاف مالٍ قلّ أو كثر ، أو على بيع مال ، أو طلاق ، أو قتلٍ ، ولا يعترض على هذا إلا شيء واحد ، وهو أنه لو خُوّف بإيلامٍ عظيم لا يصابَر ، وإن لم يكن مما يقصد به القتل ، فقد يحصل بمثل هذا قريبٌ من سلب الطاقة ، وفيه نظر . وأنا أقول : التخويف به لا يكون إكراهاً ، أما مفاتحته ( 3 ) بالإيلام ، ففيه [ الاختلاف ] ( 4 ) ، وليس هذا كالتخويف بالقتل ؛ فإن وقوع الخوف أشد من وقوع هذا الإيلام . هذا بيان تأصيل الطريقين . 9110 - وعلينا بعد هذا أمران : أحدهما - التفصيل والآخر - الإشارة إلى العثرات : أما التفصيل ، فتأصيل الطريقة الأخيرة بفصلها ( 5 ) ، ولا يرد عليها إلا الألم

--> ( 1 ) في الأصل : ولا يقع . ( 2 ) المعنى لقطع نظره وتخيّره بالإكراه . ( 3 ) مفاتحته بالإيلام : المعنى بدء إيلامه . ( 4 ) في الأصل : الاحتلام . ( 5 ) بفصلها : أي كما هي عليه في بياننا وشرحنا لها .